فصل: تفسير الآيات (4- 9):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآيات (45- 46):

{وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)}
{وَسَكَنْتُمْ} في الدنيا، {فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بالكفر والعصيان، قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} أي: عرفتم عقوبتنا إيّاهم، {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ} أي: بيَّنا أن مثلكم كمثلهم.
{وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي: جزاء مكرهم، {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ} قرأ علي وابن مسعود: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ} بالدال، وقرأ العامة بالنون.
{لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} قرأ العامة لتزول بكسر اللام الأولى ونصب الثانية.
معناه: وما كان مكرهم.
قال الحسن: إن كان مكرهم لأضعف من أن تزول منه الجبال.
وقيل: معناه إن مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت كثبوت الجبال.
وقرأ ابن جريج والكسائي: {لتزول} بفتح اللام الأولى ورفع الثانية، معناه: إن مكرهم وإن عظم حتى بلغ محلا يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال قتادة: معناه وإن كان شركهم لتزول منه الجبال، وهو قوله تعالى: {وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم- 19].
ويُحكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في معنى الآية: أنها نزلت في نمرود الجبَّار الذي حاجَّ إبراهيم في ربه، وذلك أنه قال: إن كان ما يقول إبراهيم حقًا فلا أنتهي حتى أصعد السماء فأعلم ما فيها، فعمد إلى أربعة أفرخ من النسور فربَّاها حتى شبت واتخذ تابوتًا، وجعل له بابًا من أعلى وبابًا من أسفل، وقعد نمرود مع رجل في التابوت، ونصب خشباتٍ في أطراف التابوت، وجعل على رؤوسها اللحم وربط التابوت بأرجل النسور، فَطِرْنَ وصعدن طمعًا في اللحم، حتى مضى يوم وأَبْعَدْنَ في الهواء، فقال نمرود لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قربناها، ففتح الباب ونظر فقال: إن السماء كهيئتها ثم قال: افتح الباب الأسفل وانظر إلى الأرض كيف تراها؟ ففعل، فقال: أرى الأرض مثل اللجَّة والجبال مثل الدخان، فطارت النسور يوما آخر، وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران، فقال لصاحبه: افتح البابين ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها، وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، فنودي: أيها الطاغية أين تريد؟
قال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل معه القوس والنشَّاب فرمى بسهم فعاد إليه السهم متلطخًا بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء- وقيل: طائر أصابها السهم- فقال: كفيت شغل إله السماء.
قال: ثم أمر نمرود صاحبه أن يصوِّب الخشبات وينكص اللحم، ففعل، فهبطت النسور بالتابوت، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور، ففزعت وظنت أنه قد حَدَثَ حدثٌ من السماء، وأن الساعة قد قامت، فكادت تزول عن أماكنها، فذلك قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}.

.تفسير الآيات (47- 48):

{فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)}
{فلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} بالنصر لأوليائه وهلاك أعدائه، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: ولا تحسبن الله مخلف رسله وعده، {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}.
قوله عز وجل: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْض وَالسَّمَوَاتُ}.
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، حدثني أبو حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُحشر الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاء عفراءَ كقُرْصة النَّقيِّ ليس فيها عَلَمٌ لأحد».
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن خالدٍ- هو ابن يزيد- عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تكون الأرض يوم القيامة خبزةً واحدة يتكفؤها الجبَّار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة».
وعن ابن مسعود رضي الله عنه في هذه الآية قال: تبدل الأرض بأرض كفضة بيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم تعمل فيها خطيئة.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب.
وقال محمد بن كعب وسعيد بن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه.
وقيل: معنى التبديل جعل السموات جنانًا وجعل الأرض نيرانًا.
وقيل: تبديل الأرض تغييرها من هيئة إلى هيئة، وهي تسيير جبالها، وطمّ أنهارها، وتسوية أوديتها وقطع أشجارها، وجعلها قاعًا صفصفًا، وتبديل السموات: تغيير حالها بتكوير شمسها، وخسوف قمرها وانتثار نجومها، وكونها مرة كالدهان، ومرة كالمهل.
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، عن داود- وهو ابن أبي هند- عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: {يوم تبدل الأرض غيرَ الأرض والسموات} فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط».
وروي عن ثوبان أن حبرًا من اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؛ قال: «هم في الظلمة دون الجسر».
وقوله تعالى: {وَبَرَزُوا} خرجوا من قبورهم، {لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

.تفسير الآية رقم (49):

{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ (49)}
{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ} مشدودين بعضهم ببعض، {فِي الأصْفَادِ} في القيود والأغلال، واحدها صَفَد، وكل من شددته شدًا وثيقًا فقد صفدته.
قال أبو عبيدة: صَفَدْتُ الرجل فهو مصفود، وصفَّدته بالتشديد فهو مصفَّد.
وقيل: يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة، بيانه قوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهَمْ} [الصافات- 22]، يعني: قرناءهم من الشياطين.
وقيل: معناه مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد والقيود، ومنه قيل للحبل: قرَن.

.تفسير الآية رقم (50):

{سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50)}
{سَرَابِيلُهُمْ} أي: قُمُصُهم، واحدها سربال. {مِنْ قَطِرَانٍ} هو الذي تهنأ به الإبل.
وقرأ عكرمة ويعقوب {منْ قطرآن} على كلمتين منونتين والقطر: النحاس، والصفر المذاب، والآن: الذي انتهى حرُّه، قال الله تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن- 44].
{وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} أي: تعلو.

.تفسير الآيات (51- 52):

{لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ (52)}
{لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} من خير وشر، {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
{هَذَا} أي: هذا القرآن، {بلاغٌ} أي: تبليغ وعظة، {لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا} وليخوفوا، {بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أي: ليستدلوا بهذه الآيات على وحدانية الله تعالى: {وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ} أي: ليتعظ أولو العقول.

.سورة الحجر:

مكية.

.تفسير الآيات (1- 2):

{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2)}
{آلر} قيل: معناه: أنا الله أرى {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} أي: هذه آيات الكتاب، {وَقُرْآنٍ} أي: وآيات قرآن {مُبِينٍ} أي: بيَّن الحلال من الحرام والحق من الباطل.
فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب ثم قال: {وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} وكلاهما واحد؟
قلنا: قد قيل كل واحد يفيد فائدة أخرى، فإن الكتاب: ما يكتب، والقرآن: ما يجمع بعضه إلى بعض.
وقيل: المراد بالكتاب: التوراة والإنجيل، وبالقرآن هذا الكتاب.
{رُبَمَا} قرأ أبو جعفر ونافع وعاصم بتخفيف الباء والباقون بتشديدها، وهما لغتان، ورُبَّ للتقليل وكم للتكثير، ورُبَّ تدخل على الاسم، ورُبَما على الفعل، يقال: رُبَّ رجل جاءني، ورُبَمَا جاءني رجل، وأدخل ما هاهنا للفعل بعدها. {يَوَدُّ} يتمنى {الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}.
واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها الإسلام.
قال الضحاك: حالة المعاينة.
وقيل: يوم القيامة.
والمشهور أنه حين يخرج الله المؤمنين من النار.
وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فيغضب الله تعالى لهم بفضل رحمته فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها، فحينئذ يودُّ الذين كفروا لَوْ كانوا مسلمين».
فإن قيل: كيف قال: {ربما} وهي للتقليل وهذا التمني يكثر من الكفار؟
قلنا: قد تذكر ربما للتكثير، أو أراد: أن شغلهم بالعذاب لا يفرغهم للندامة إنما يخطر ذلك ببالهم أحيانا.

.تفسير الآية رقم (3):

{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)}
{ذَرْهُمْ} يا محمد، يعني: الذين كفروا {يَأْكُلُوا} في الدنيا {وَيَتَمَتَّعُوا} من لذاتهم {وَيُلْهِهِمُ} يشغلهم {الأمَلُ} عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا، وهذا تهديد ووعيد.
وقال بعضُ أهل العلم: {ذرهم} تهديد، وقوله: {فسوف يعلمون} تهديد آخر، فمتى يهنأ العيش بين تهديدين؟
والآية نسختها آية القتال.

.تفسير الآيات (4- 9):

{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}
{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} أي: من أهل قرية {إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} أي: أجل مضروب لا يتقدم عليه، ولا يأتيهم العذاب حتى يبلغوه، ولا يتأخر عنهم.
{مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} {من} صلة، {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} أي: الموت لا يتقدم ولا يتأخر، وقيل: العذاب المضروب.
{وَقَالُوا} يعني: مشركي مكة {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} أي: القرآن، وأرادوا به محمدا صلى الله عليه وسلم {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} وذكروا تنزيل الذكر على سبيل الاستهزاء.
{لَوْ مَا} هلا {تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ} شاهدين لك بالصدق على ما تقول {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} إنك نبي.
{مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ} قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر بنونين {الملائكة} نصب، وقرأ أبو بكر بالتاء وضمها وفتح الزاي {الملائكة} رفع، وقرأ الباقون بالتاء وفتحها وفتح الزاي {الملائكة} رفع. {إِلا بِالْحَقِّ} أي: بالعذاب ولو نزلت يعني الملائكة لعجلوا بالعذاب، {وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ} أي: مؤخرين، وقد كان الكفار يطلبون إنزال الملائكة عيانا فأجابهم الله تعالى بهذا. ومعناه: إنهم لو نزلوا أعيانًا لزال عن الكفار الإمهال وعُذِّبوا في الحال.
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} يعني القرآن {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي: نحفظ القرآن من الشياطين أن يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه، أو يبدلوا، قال الله تعالى: {لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت- 42] والباطل: هو إبليس، لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه.
وقيل الهاء في {له} راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم أي: إنا لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء كما قال جلّ ذكره: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة- 67].

.تفسير الآيات (10- 14):

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14)}
قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ} أي: رسلا {فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ} أي: في الأمم والقرون الماضية.
والشيعة: هم القوم المجتمعون المتفقة كلمتهم.
{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} كما فعلوا بك، ذكره تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
{كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} أي: كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء بالرسل في قلوب شيع الأولين، كذلك نسلكه: ندخله {فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} يعني: مشركي مكة قومك. وفيه ردٌّ على القدرية.
{لا يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني: لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن {وَقَدْ خَلَتْ} مضت {سُنَّةُ الأوَّلِينَ} أي: وقائع الله تعالى بالإهلاك فيمن كذب الرسل من الأمم الخالية، يخوِّف أهل مكة.
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ} يعني: على الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة {بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ} أي: فظلت الملائكة يعرجون فيها، وهم يرونها عيانا، هذا قول الأكثرين.
وقال الحسن: معناه فظل هؤلاء الكفار يعرجون فيها أي: يصعدون. والأول أصح.